ابن أبي الحديد

39

شرح نهج البلاغة

فأما قوله ( عليه السلام ) : " أطلق عن الناس عقدة كل حقد " فقد استوفى هذا المعنى زياد في خطبته البتراء فقال : وقد كانت بيني وبين أقوام إحن ( 1 ) ، وقد جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته ، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال ( 2 ) من بغضي لم أكشف عنه قناعا ، ولم أهتك له سترا ، حتى يبدي لي صفحته ، فإذا فعل لم أناظره ، ألا فليشمل كل امرئ منكم على ما في صدره ، ولا يكونن لسانه شفرة تجرى على ودجه . [ فصل في النهى عن سماع السعاية وما ورد في ذلك من الآثار ] فأما قوله عليه السلام : " ولا تعجلن إلى تصديق ساع " فقد ورد في هذا المعنى كلام حسن ، قال ذو الرياستين : قبول السعاية شر من السعاية لان السعاية دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شئ كمن قبله وأجازه ، فأمقت الساعي على سعايته ، فإنه لو كان صادقا كان لئيما ، إذ هتك العورة ، وأضاع الحرمة . وعاتب مصعب بن الزبير الأحنف على أمر بلغه عنه فأنكره فقال مصعب : أخبرني به الثقة ، قال كلا أيها الأمير ، أن الثقة لا يبلغ . وكان يقال : لو لم يكن من عيب الساعي إلا أنه أصدق ما يكون أضر ما يكون على الناس لكان كافيا . كانت الأكاسرة لا تأذن لأحد أن يطبخ السكباج ( 3 ) ، وكان ذلك مما يختص به الملك ، فرفع ساع إلى أنوشروان : إن فلانا دعانا ونحن جماعه إلى طعام له وفيه .

--> ( 1 ) الإحن : جمع إحنة ، وهي العداوة . ( 2 ) السلال والسل بمعنى . ( 3 ) السكباج : مرق يعمل من اللحم والخل ، معرب